إغلاق، العودة إلى قائمة المقالات
أهمية الأمن في حياة الإنسان
صوت القارئ / مقالات و مساهمات القراء
mestafaboulem@yahoo.fr

أهمية الأمن في حياة الإنسان

 

بقلم: الأستاذ/كردالواد مصطفى

mestafaboulem@yahoo.fr

 

    ينظر الإسلام إلى الأمن نظرة شاملة؛ فهو لا يتحقق أي الأمن بمجرد ضمان أمن الإنسان على حياته؛ بل يتعدّاه إلى ما هو أشمل وأعمق من خلال ضرورة صون العقيدة السليمة للمسلم، وضمان أمنه على هويته الإسلامية، بالإضافة إلى الحفاظ على الموارد اللازمة لعيشه وبقائه، لأن تعاليم الإسلام توصي خيرا ببيئة الإنسان ومكوناتها الطبيعية.

    لذلك جاء ذكر الأمن وما يُشتقّ منه في آيات عديدة من القرآن الكريم؛ حيث يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيم رَبِّ اِجْعَل هَذَا البَلَدَ ءَامِنًا[1]، ويقول الحق سبحانه وتعالى: ﴿وَلَيَبُدِّلِنَّهُم مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْـنًا[2]، كما يقول يقول عز وجلّ: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ ءَامِنَةً مُطْمَئِنَّـةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الجُوعِ وَالخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ[3]، ويقول المولى عزّ وجلّ في سورة قريش: ﴿ فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا البَيْتِ الذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَءَامَنَهُمْ مِنْ خَوفٍ[4].

   أما في السنة النبوية الشريفة فقد ورد الأمن وما يقوم مقامه من معاني في أحاديث كثيرة عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ حيث روي عنه عليه الصلاة والسلام قوله:)مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافَى فِي جَسَدِهِ، عِنَدَهُ قُوتَ يَوْمِهِ، فَكَـأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا([5]، كما نهى عليه أفضل السلام وأزكى التسليم عن كل عمل يـبث الخوف والترويع في نفوس المسلمين؛ حيث يقول صلى الله عليه وسلم) :لاَ يَحِلّ لِـمُِسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّّعَ مُسْلِمًا([6]، وكان من دعائه عليه الصلاة والسلام قوله:  )اللَّهُمَّ اسْتُرْ عَوْرَاتِي وَآمِنْ رَوْعَاتِي([7].

     وعليه فإن نعمة الأمن من أجلّ نعم الله تعالى على عباده، حيث ربطه القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة في مواضع عديدة بالإيمان والرزق والمعافاة في الأهل والبدن، كماجاء في مواضع أخرى بمعنى عدم الخوف والجوع...وهذا إن دل فإنما يدل على الأهمية الكبيرة لنعمة الأمن في حياة الإنسان المسلم، لأن غياب الأمن أو تهديده يؤدي لا محالة إلى اضطراب في دين الناس ومعاشهم وأرزاقهم.

   ومجمل القول فيما يخص المنظور الإسلامي لأهمية الأمن في حياة الناس؛ هو أنه منظور شامل يجد أساسه في الوحي الإلاهي؛ حيث وضع أسسه القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ثم استنبطه بعد ذلك علماء الأمة على مـرّّ العصور. كما أنه منظور يؤدّي الأخذ بأسبابه إلى تحقيق سعادة الإنسان في الدارين الحياة الدنيا والآخرة.

   وفي الفكر الغربي حظي الأمن بنصيب وافر من الدراسات والأبحاث؛ حيث ورد في أعمال العديد من المدارس وفي كتابات بعض المفكرين والاستراتيجيين؛ سواء قديما أو حديثا؛ وإن كان في العصر الحديث؛ وخاصة بعد الحرب العالمية الثانية حيث بدأت الدراسات الأمنية تتبلور بشكل جلي كحقل معرفي جديد.

   لقد أسس فلاسفة العقد الإجتماعي لمفهوم الأمن الإتفاقي، حيث جاء في كتابات جون جاك روسو وهوبز وجون لوك على أن البشر كانوا يعيشون في حياة تسودها الفوضى وغياب للأمن، ولوضع حدّ لهذه الأوضاع اتفق الأفراد مع طرف آخر (الأمير/الحاكم/الملك) بأن يتولى بموجب العقد المبرم تنظيم شؤونهم، كما يسهر في نفس الوقت على ضمان أمنهم؛ وبالمقابل يتنازل هؤلاء الأفراد عن جزء من حقوقهم أوكلّها حسب ما ذهب إليه كل مفكر من مدرسة العقد الإجتماعي.

   أما في العصر الحديث فقد تباينت مواقف مدارس تحليل العلاقات الدولية من موضوع الأمن؛ وإن كانت في أغلبها ركزت على الأمن بمفهوم الدولةState Security  في بداية الأمر. لكن مع نهاية الحرب الباردة أخذ مفهوم الأمن يتجه نحو التوسع أكثر كما تجسد ذلك في أعمال المدارس النقدية[8] .

  ومجمل القول فيما يخص المنظور الغربي للأمن؛ هو أنه منظور وضعي يجد أساسه في أعمال المدارس وكتابات المفكرين كما سبق بيانه، وهو منظور اهتم في بداياته بالدولة باعتبارها موضوع مرجعي للأمن؛ وبالمقابل أهمل الإنسان[9]. لكن في أعقاب انهيار المعسكر الشرقي وبروز طائفة جديدة من التهديدات والمخاطر الأمنية، والتي لم تكن معروفة أو لم تكن تحظى على الأقل بالدراسة والاهتمام من قبل مناظير الأمن التقليدية. لذلك سارع هذا المنظور (الغربي) إلى التحول والاهتمام أكثر بأمن الإنسان [10] Human Security.



[1]  سورة إبراهيم، الآية 35

[2]  سـورة النـور، الآية 55

[3]  سورة النحل، الآية 112

[4]  سورة قريش، الآيات 3/4.

[5]  رواه البخاري في الأدب المفرد، والترميذي، وابن ماجه، والطبراني في الكبير .

[6]  رواه الإمام أحمد وأبو داود.

[7]  رواه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه وصححه الحاكم.

 

[8]  يرى جوزيف ناي Joseph Nye صاحب فكرة القوة الناعمة Soft Power بأن الأمن مثل الأوكسجين، فبقدر ما يتوفر للإنسان فإنه يصبح لا يحس به، ولكن إذا بدى لهذا الإنسان بأنه فَـقَدَ أمنه تصبح كل القضايا والمسائل الأخرى ثانوية بالنسبة إليه.

[9]  يرى الدكتور أحمد الريسوني بأن الحضارة الغربية ركزت على حقوق الإنسان وأهملت أصل هذه الحقوق ألا وهو الإنسان ذاته، إضافة إلى طغيان الحقوق المادية الجسدية التي أصبحت هي المهيمنة. في :

  د أحمد الريسوني، حقوق الإنسان محور الشريعة، سلسلة كتاب الأمة، عدد 87، وزارة الأوقاف، قطر، 1423هجري، ملخص منشور بالإنترنيت .

[10]  يرى نيلسون مانديلا بأن الأمن الإنساني هو طفل لم يمت، ومرض لم ينتشر، ووظيفة لم تُفقد، وصراع عرقي لم يتحول إلى عنف، ومُعارض لم يتم إسكاته. فالأمن الإنساني ليس اهتمام بالأسلحة بل هو اهتمام بحياة اللإنسان وكرامته. في :

Programme des Nations Unies pour le développement: ,Rapport mondial sur le développement humain 1994 , Paris: Economica, PNUD.

تم تصفح هذه الصفحة 5120 مرة.
آخر مقالات صوت القارئ / مقالات و مساهمات القراء
فيديو
صورة و تعليق
هدرة الناس
سطيف ، تقرير أسود على مكتب الأمين العام الجديد حول وضعية الحزب بالولاية . إقرأ المقالة
قناتنا على اليوتيوب
تحميل ...