إغلاق، العودة إلى قائمة المقالات
دور سياسة تهيئة الإقليم في تحقيق التنمية السياحية في الجزائر
صوت القارئ / مقالات و مساهمات القراء
mestafaboulem@yahoo.fr

دور سياسة تهيئة الإقليم في تحقيق التنمية السياحية في الجزائر


بقلم: الأستاذ/ كردالواد مصطفى

قسم الحقوق-جامعة سطيف 2-

mestafaboulem@yahoo.fr

 

    يُـصنّف اقتصاد السياحة اليوم كأحد أهم القطاعات المنتجة للثروة في العديد من الدول، ويعتبر هذا الاقتصاد في نفس الوقت من أهم أدوات الترويج للموروث المادي واللامادي للشعوب والأمم، كما يحتل البعد الحضاري وكل أشكال التراث الثقافي مكانة هامة ضمن مكونات المنظومة السياحية لأشهر البلدان السياحية في العالم.

    إن الموقع الطبيعي للجزائر جعلها من البلدان التي تُوفر لزائريها أنواعا مختلفة من السياحة على غرار السياحة الجبلية، السياحة الحموية، السياحة البحرية، السياحة الصحراوية، السياحة البيئية، السياحة الدينية...كما ساعدها هذا الموقع الاستراتيجي على ثراء وتنوع تراثها الثقافي نتيجة للحضارات التي قامت على أرضها وكذا نتيجة احتكاكها بمختلف الحضارات التي نشأت على ضفاف البحر الأبيض المتوسط أو جنوب الصحراء الإفريقية الكبرى  ودول الساحل.

    لذلك حاولت المنظومة السياحية الجزائرية الاستفادة من هذا التراث الطبيعي والثقافي الغني، من خلال العمل على تحويله إلى قطاع منتج للثروة. لكن في الواقع لم ترتق بعد هذه المنظومة إلى مستوى خلق الثروة ولا إلى مستوى الإمكانيات السياحية المادية واللامادية التي يحوزها إقليم الجزائر من شماله إلى جنوبه ومن شرقه إلى غربه(1).

                                  صورة: جبل بابور بشمال ولاية سطيف

http://sawtsetif.com/api/file/1232

http://sawtsetif.com/v/352المصدر

أولا/ أهداف السياسة الوطنية لتهيئة الإقليم في مجال التنمية السياحية

    إن الهدف العام من السياسة الوطنية لتهيئة الإقليم الموضوعة من طرف الدولة الجزائرية هو تحقيق تنمية مستدامة متوازنة ومنسجمة لمجموع الإقليم الجزائري، وهي تنمية تراعي أساسا خصائص ومؤهلات كل فضاء جهوي(2).  

    ومن جهتها تهدف التنمية السياحية المستدامة إلى الزيادة في مشاريع الاستثمار السياحي من أجل الرفع من قدرات الانتاج السياحي، مع الحرص في نفس الوقت على تثمين التراث السياحي الوطني(3).

    على ضوء ما تقدم أي الهدف العام من السياسة الوطنية لتهيئة الإقليم وهدف التنمية السياحية المستدامة نحاول استعراض الأهداف الفرعية لهذه السياسة الوطنية في مجال التنمية السياحية المستدامة في الجزائر.

1-حماية وتثمين الموارد التراثية والطبيعية والثقافية الوطنية(4):

يعد تراثا ثقافيا للأمة الجزائرية بمفهوم قانون حماية التراث الثقافي جميع الممتلكات الثقافية العقارية، والعقارات بالتخصيص، والممتلكات المنقولة الموروثة عن مختلف الحضارات، كما تُعدّ جزء من التراث الثقافي الممتلكات الثقافية غير المادية الناتجة عن تفاعلات اجتماعية للأفراد والجماعات عبر العصور المختلفة(5).

    إذن فكل هذه الأشكال الثقافية والتراثية والطبيعية تقع تحت طائلة الحماية القانونية بموجب قانون العقوبات وقانون حماية التراث الثقافي وقانون حماية حقوق المؤلف والحقوق المجاورة، وغرض المشرع الجزائري من وراء ذلك هو إضفاء حماية مادية ملموسة على تلك الموارد المُشكِّلة لموروث وهوية الأمة الجزائرية.

2-تحقيق استدامة الموارد التراثية والطبيعية والثقافية الوطنية : يتحقق هذا الهدف من خلال التوظيف العقلاني لهذه الموارد؛ بمعنى ضمان استفادة وتمتع الأجيال الحالية من هذه الموارد دون المساس بِفُرص الأجيال المستقبلية من الاستفادة بدورها من هذه الموارد. كما يقتضي هذا الهدف عدم استنزاف هذه الموارد بشكل قد يؤدي إلى المساس بقدرتها على التجدد والانتاج من جديد خاصة بالنسبة للموارد الطبيعية الهشة.

ثانيا/ نحو تفعيل سياسة تهيئة الإقليم للنهوض بالتنمية السياحية

    يُفترض في الإمكانيات السياحية الهامة التي تمتلكها الجزائر ومجموعة التشريعات الضابطة للعمل السياحي أن تجعل من هذا القطاع قطاعا منتجا للثروة لا قطاعا مستهلكا وعبئا هو الآخر على خزينة الدولة.

    وعليه نحاول عدم الغوص أكثر في الأسباب التي ساهمت وعمّقت الفارق بين الإمكانيات الحقيقية لقطاع السياحة في الجزائر ومدى مساهمته في الدخل الوطني. وبدلا من ذلك نقدم مجموعة من المقترحات المتواضعة من  أجل الوصول إلى تفعيل حقيقي لسياسة تهيئة الإقليم الوطنية في مجال التنمية السياحية.

    وبادئ ذي بدء ينبغي التركيز على المنتج السياحي كبديل مستدام لخلق الثروة الوطنية عوضا عن عائدات الريع النفطي ومختلف الموارد غير المتجددة التي شوّهت برامج التنمية الاقتصادية الوطنية منذ الاستقلال.

    إضفاء طابع التسيير الاقتصادي القائم على الذكاء في الانتاج والترويج والتسويق والتنافس على مستوى الأسعار والخدمة...ويعتبر قطاع السياحة الجزائري في أمس الحاجة لتسييره وفق منطق اقتصاد المنافسة بدلا من قواعد التسيير الإداري البروقراطي التي أنهكت السياحة الجزائرية(6).

    تحديث التشريعات والقوانين الوطنية الناظمة للعمل السياحي؛ لأن ضعف هذه التشريعات جعل منها عامل كبح ولجم لتطور السياحة أكثر منه عامل مُعزّز لتنافسية السوق السياحي الجزائري على المستويين الإقليمي والدولي.

    استراتيجية التنمية السياحية تتطلب أيضا وضع برامج وخطط عملية مكملة للقوانين، وتساهم في زيادة مشاريع الاستثمار السياحي في جميع مجالات السياحة(7). لكن مع ضرورة خلق تكامل بين الاستثمار الخاص والعام في هذا المجال بشكل يُفضِي إلى تكييف الاستثمارات مع طبيعة كل منطقة وما تحتويه من تراث طبيعي وثقافي.

       ضرورة الارتقاء بالمنتج السياحي عن كل أشكال التهريج والمناسباتية والشعبوية التي أساءت كثيرا للثقافة والسياحة الجزائرية؛ حيث حصرتها في مجموعة من المهرجانات الفلكورية والشعبية السنوية، وهذه المهرجانات لا تعكس حقيقة عمق وثراء وتنوع التراث الثقافي الجزائري في منطقة شمال إفريقيا.

     الاهتمام بعنصر التكوين والرسكلة في مراكز التكوين السياحي باعتبارهما من أهم أدوات الترويج  السياحي في عالم اليوم الذي تغلب عليه المنافسة على مستوى الأسعار والخدمات .

     مرافقة المواطن المحلي بعمليات التوعية والتحسيس من أجل تغيير الذهنيات والصور النمطية التي يختـزنها الفرد الجزائري عن السياح والسياحة عموما.

      إدراج الدبلوماسية السياحية في صلب مهام الدبلوماسية الرسمية التي تمارسها السفارات والقنصليات الجزائرية الموزعة عبر مناطق العالم، أما فيما يخص الدبلوماسية غير الرسمية فيقع على الأفراد الجزائريين المقيمين في الخارج وكل المنظمات غير الحكومية ضرورة إبراز هوية الجزائر الثقافية وموروثها الحضاري وما تزخر به من إمكانيات سياحية في المنطقة المتوسطية.

     يعتبر المؤشر الأمني من بين أهم المؤشرات المتحكمة في السوق السياحي العالمي، وعليه يقع على الحكومة الجزائرية استغلال المؤشر الأمني المتدني في أشهر البلدان السياحية في المنطقة المتوسطية، وذلك من أجل تحويل الجزائر كوجهة آمنة ومفضلة للسياح الأجانب خاصة في ظل الاستقرار والهدوء الذي تعرفه الجزائر.

    في الأخير، لا ندعي بأننا قمنا من خلال هذه الأفكار المعدودة بإحاطة وافية لموضوع دور سياسة تهيئة الإقليم في النهوض بالتنمية السياحية في الجزائر، لأنه يبقى موضوع ذو شجون مفتوح على كل النقاشات والنقد البنّاء والإثراء؛ وذلك من أجل معرفة الأسباب التي أثرت على فعالية المنظومة السياحية الجزائرية، ومن ثمة اقتراح استراتيجية وطنية متكاملة وفعالة تحقق الأمن السياحي .

 الهوامش والمراجع:

(1) فعلى سبيل المثال لا الحصر تزخر ولاية سطيف بأماكن سياحية غاية في الجمال والعذرية مثل سلسلة جبل بابــور وبوعنداس وجبل مغرس في الشمال وسلسلة جبال بوطالب في الجنوب وجبال بني عزيز وشلالات واد البارد... بالإضافة إلى المحطات الحموية الطبيعية في كل من حمام قرقور ببوقاعة وحمام السخنة...ناهيك عن العديد من المواقع الأثرية التي تعود إلى فترات سحيقة من تاريخ المنطقة كالموقع الأثري بجميلة، وموقع عين الحنش بالعلمة موطن أول إنسان في التاريخ حسب العديد من الأبحاث التاريخية ...لكن في الواقع يجد المواطن المحلي صعوبات في الوصول إلى هذه الأماكن كغياب التعريف والإشهار لهذه المناطق وانعدام المرافق أوغياب المسالك والطرق وإن وجدت فهي في حالة جد متدهورة...

 (2) المادة 4 من القانون رقم 01-20 المتعلق بتهيئة الإقليم وتنميته المستدامة المؤرخ في 12 ديسمبر سنة 2003 (ج.ر) عدد 77.

(3) المادة 9 من القانون رقم 03-01 المؤرخ في 17 فيفري 2003 المتعلق بالتنمية المستدامة للسياحة (ج.ر) عدد 11 سنة 2003.

(4) المادة 4 من القانون رقم 01-20 ، المرجع السابق.

(5) المادة 2 من قانون رقم 98-04 المؤرخ في 15 يونيو سنة 1998 والمتعلق بحماية التراث الثقافي (ج.ر) عدد 44 سنة 1998.

(6) عند الحجز مثلا في بعض الفنادق تصيبك الحيرة والتعجب من الطرق الإدارية التقليدية في تسيير القطاع الفندقي في الجزائر.

المصادر

لا توجد مصادر لهذه المقالة
-->
تم تصفح هذه الصفحة 5227 مرة.
آخر مقالات صوت القارئ / مقالات و مساهمات القراء
فيديو
صورة و تعليق
هدرة الناس
سطيف ، تقرير أسود على مكتب الأمين العام الجديد حول وضعية الحزب بالولاية . إقرأ المقالة
قناتنا على اليوتيوب
تحميل ...