إغلاق، العودة إلى قائمة المقالات
التكوين والتعليم المهنيين في الجزائر و رهان التنمية المستدامة
صوت القارئ / مقالات و مساهمات القراء
info@sawtsetif.com

La Formation et L'Enseignement Professionnels en Algérie et l’Enjeu du Développement Durable

 

أ‌-       كردالواد مصطفى

قسم الحقوق –جامعة سطيف 2-

 

 

  تعتبر المهن والحرف قديمة قدم الإنسان؛ فقد استعان هذا الأخير بعظام الحيوانات في الصيد، واستعمل أغصان الأشجار وأوراقها لبناء البيوت ولأغراض التدفئة. كما كان يصقل الحجارة ويحولها إلى أدوات عمل يستعين بها للدفاع عن نفسه من الحيوانات المفترسة أو من اعتداءات بني جنسه.

    فكل هذه المهارات التي حركتها غريزة البقاء لدى الإنسان البدائي، ودفعته إلى اتقانها؛ وتعليمها لبني جنسه. تشكل نواة حقيقية للمهن والحرف الحديثة. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد؛ بل واكبت هذه المهارات تطور علوم الإنسان واحتياجاته؛ وفق منطق الحاجة أم الاختراع، خاصة بعد اكتشاف الحديد والمعادن والطاقات المختلفة .

    وفي عالم اليوم الذي يشهد ثورة معرفية و رقمية غير مسبوقة في التاريخ الإنساني. وهو عالم تتنافس فيه اقتصاديات الدول على عنصر الجودة في تكوين الرأسمال البشري، باعتباره أساس التنمية في أبعادها الاقتصادية والبشرية والبيئية.

   ومن أجل مواكبة هذه التطورات الحاصلة في العالم. أدركت الجزائر بأن كل من التكوين والتعليم المهنيين، والتعليم المدرسي و الجامعي. هي أدواتها الفعلية للاستثمار في مواردها البشرية، التي سوف تمكنها مستقبلا من كسب رهان التنمية المستدامــة  Sustainable Development.

أولا/ مفهوم التكوين والتعليم المهنيين

   عرف المشرع الجزائري التعليم المهني في القانون التوجيهي للتكوين والتعليم المهنيين بأنه:"...كل تعليم أكاديمي وتأهيلي، ممنوح من طرف مؤسسات التعليم المهني بعد الطور الإجباري في مؤسسات التربية الوطنية"[1].

   أما التمهين فقد عرفه المشرع في القانون المتعلق بالتمهين بأنه:"...طريقة للتكوين المهني يهدف إلى إكساب تأهيل مهني أولي أثناء العمل...ويتم إكساب هذا التأهيل من خلال ممارسة عملية متكررة ومتدرجة لمختلف العمليات المرتبطة بممارسة المهنة المعنية، ومن خلال تكوين نظري وتكنولوجي مُكمّل..."[2].

ثانيا/ نتائج عملية التكوين والتعليم المهنيين في الجزائر

   تتطلب العملية التكوينية أرضية قانونية تحدد فواعلها ووسائلها المادية والبشرية وأهدافها ضمن استراتيجية التنمية الوطنية. ولهذا الغرض تم إصدار نصوص قانونية تنظم قطاع التكوين والتعليم المهنيين في الجزائر؛ وهي النصوص التي تم مرافقتها بمجموعة من البرامج والخطط والوسائل. كل ذلك جعل من  قطاع التكوين والتعليم المهنيين يقطع أشواطا معتبرة في ضوء ما توفر له من إمكانيات؛ حيث تمكنت مراكزه من تأطير عدد كبير من الشباب ومنحتهم مؤهلات مهنية لدخول سوق الشغل .

    ففي زيارته الأخيرة إلى الجزائر في 28 جانفي 2015، صرح المقرر الخاص بالحق في التعليم التابع لمجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة؛ بأن الجزائر قد قامت بخطوات جبارة في الميدان القانوني والمؤسسي لقطاع التكوين والتعليم المهنيين[3].

  استحدثت أيضا وزارة التكوين المهني في السنوات الأخيرة عدة أنماط للتكوين والتمهين تراعي طبيعة المناطق الحضرية والشبه حضرية والريفية. والهدف من كل ذلك هو تعميم التكوين المهني والحرفي ليمس مختلف الفئات العمرية ومن الجنسين (ذكور وإناث).

      في هذا السياق قامت مراكز التكوين والتمهين بمرافقة الشباب الراغب في إنشاء مؤسسات استثمارية صغيرة من خلال إدراج أنماط تكوين مكيفة مع طبيعة تلك الاستثمارات، كما رافقت مراكز التكوين المهني الفتيات الماكثات بالبيت، والمرأة الريفية، واستحدثت لهن حرف تتناسب مع بيئتهن الاجتماعية والطبيعية .

  وعليه أصبحت الجزائر تحصي اليوم العديد من المشاريع الاستثمارية والمؤسسات الصغيرة والمتوسطة الناجحة في مختلف المجالات، وتعود ملكية هذه المؤسسات والاستثمارات الناجحة إلى شباب وشابات تخرجوا من مراكز التكوين والتعليم المهنيين .

        لكن ورغم النتائج المحققة في قطاع التكوين والتعليم المهنيين بالجزائر؛ إلا أن هذا القطاع لا يزال بحاجة إلى إعادة بعثه من جديد بما يتوافق وأهداف الدولة الجزائرية من أجل تحقيق التنمية المستدامة بأبعادها البشرية والبيئية والاقتصادية.

                ثالثا/ معوقات التكوين والتعليم المهنيين في الجزائر

    بالرجوع إلى واقع العملية التكوينية في الجزائر يمكن القول بأن التكوين والتعليم المهنيين في الجزائر رغم النتائج المحققة؛ إلا أنه لايزال يعاني من معوقات أثّرت على فعالية المجهودات المبذولة والأهداف الموضوعة من أجل تجسيد التنمية المستدامة.

1-المعوقات الاجتماعية: حيث لا تزال تلك النظرة السلبية لدى المجتمع الجزائري حول قطاع التكوين والتعليم المهنيين؛ بأنه قطاع عادة ما يستقطب الفاشلين والراسبين والمتسربين من قطاع التربية.

2-المعوقات البيداغوجية: وهي تتعلق أساسا بالبرامج، والتربصات، والمُـكوّن والمُـتكوّن. فبرامج التكوين والتعليم المهنيين تحتاج إلى مزيد من التحيين من أجل مواكبة التطورات الحاصلة في ميدان العلوم والتكنولوجيات الحديثة.

   يُضاف إليها مشكل الاختيار والتوجيه نحو المهن والحرف. مع ضعف بعض التربصات أثناء فترة التكوين نتيجة غياب المعدات والوسائل في بعض التخصصات.

  ضِف إلى ذلك فتور إرادة المُتكوّن في التعلّم والتكوين، وهذا الذي يندرج ضمن ظاهرة عزوف الشباب عن دخول مراكز التكوين المهني وتفضيلهم الاتجاه مباشرة للعمل، أو لطرق أخرى للربح السريع عوضا عن تعلّم مهنة للمستقبل...

رابعا/ استراتيجية النهوض بقطاع التكوين والتعليم المهنيين

   إن استراتيجية النهوض بهذا القطاع تحمل في طياتها نظرة اسشرافية لهذا القطاع الحيوي والضروري لتحقيق التنمية المستدامة، والقائمة أساسا على أحقية أفراد الجيل الحالي في الاستفادة من موارد الكوكب الأرضي دون المساس بحق الأجيال المستقبلية من الاستفادة من تلك الموارد خاصة غير المتجددة منها.

1-حوكمة قطاع التكوين والتعليم المهنيين:

   تعتبر حوكمة قطاع التكوين والتعليم المهنيين أولى ركائز النهوض بهذا القطاع الاستراتيجي. وتقوم الحوكمة Governance على عنصر الجودة Quality في وضع التخصصات، والبرامج، والتربصات، وتوفير مختلف الوسائل البيداغوجية اللازمة من أجل توسيع خيارات المتكون وتنمية قدراته الابتكارية[4].

    تقوم حوكمة قطاع التكوين والتعليم المهنيين في الجزائر على ضرورة انفتاح هذا القطاع على مختلف الشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين[5]، وبصفة خاصة ضرورة تعزيز الروابط العلمية والبحثية مع عالم الجامعة. نظرا لوجود العديد من الروابط المشتركة بين هذين القطاعين المتقاربين جدا.

   كما تقوم الحوكمة في عصر النانوتكنولوجي على ضرورة انفتاح القطاع على المهن والتخصصات الجديدة. وعدم الاقتصار في كل سنة على نفس الحرف والمهن. وذلك من أجل مواكبة انفتاح الاقتصاد الجزائري على الأسواق العالمية؛ والصناعات المتطورة التي أصبحنا نتداول منتجاتها، وتطبيقاتها الذكيةSmart Applications  على غرار الهواتف الذكية، واللوحات الإلكترونية، والحواسيب، ومختلف الآلات، والأجهزة الرقمية...

  2-التكوين المهني المبني على مقاربة حقوق الإنسان:  

    تقوم التنمية المستدامة في شقها المتعلق بتكوين العنصر البشري وجوبا على حقوق الإنسان Human Rights. هذا ما يتطلب بناء مقاربة حقوقية للتنمية المستدامة تراعي مبدأ تكافؤ الفرص بين الأفراد في الوصول إلى فرص التكوين. ويرتبط هذا المبدأ أيضا بالخارطة التكوينية التي يشترط فيها أن تأخذ بعين الاعتبار الخصائص الطبيعية والاجتماعية والتاريخية لكل منطقة من الإقليم الجزائري .

   إن توسيع خيارات الوصول إلى فرص التكوين يجب أن تتوفر لجميع الأفراد، وبالمساواة Equality بين الجنسين إناثا وذكورا؛ مع عدم إغفال الفئات الهشة الأخرى خاصة فئة ذوي الاحتياجات الخاصة، وهي الفئة التي أثبتت قدرتها على التكوين والعمل بكل جدارة واستحقاق في مختلف المجالات. وفي هذا الشأن ينبغي تجسيد إرادة المشرع الجزائري الذي أصدر عديد النصوص القانونية من أجل تسهيل وصول هذه الفئة إلى فرص التكوين والتعليم المهنيين ومن ثم ولوج عالم الشغل.

3- التكوين والتعليم المهنيين المبني على مقاربة البيئة

   ترتبط التنمية المستدامة وجودا وعدما بالجوانب البيئية، وفي هذا الشأن أصبحت الجزائر كغيرها من دول العالم تعاني من مخاطر التهديدات البيئية Environmental threats على غرار التلوث بجميع أشكاله والتصحر والتغير المناخي وارتفاع درجة حرارة الكوكب...وكلها تهديدات تتطلب استجابة سريعة من طرف مختلف الفواعل الحكومية وغير الحكومية، وفي هذا الشأن أدرجت الجزائر الاعتبارات البيئية في تخصصات وشعب التكوين والتعليم المهنيين. ولكن المحافظة على البيئة عبر التحكم في تكنولوجيا الطاقات المتجددة؛ تتطلب ماهو أبعد من خلال تفعيل المشاركة البيئية Environmental Participation لمتخرجي مراكز التكوين والتعليم المهنيين في دعم تنفيذ القوانين والبرامج والسياسات والأهداف البيئية التي تَلَقّـوْ بشأنها تكوينا نظريا من أجل حماية البيئة الطبيعية والبيئة المُنشأة.

   في الأخير، نصل إلى القول بأن قطاع التكوين والتعليم المهنيين قطاع واعد في الجزائر من أجل تحقيق التنمية المستدامة بأبعادها البشرية والاقتصادية والبيئية. وإدراكا منها بأهمية هذا القطاع الاستراتيجي في حاضر ومستقبل الأمة؛ أقرت الدولة في السنوات الأخيرة العديد من التشريعات ورافقتها ببرامج وسياسات وخطط وتصورات لعلها تُمكن هذا القطاع من اللحاق بركب الثورة التكنولوجية والمعرفية التي جعلت من العالم قرية صغيرة Small Village.

  لكن عامل الرغبة للحاق بركب هذه الطفرة التكنولوجية الحديثة لا يكفي لوحده؛ ما لم تتجسد تلك الطموحات والجهود والقوانين والاستراتيجيات والبرامج على أرض الواقع. ولنا في الاقتصاديات العملاقة لدول جنوب شرق آسيا أحسن الأمثلة؛ فهي اقتصاديات استطاعت كسب رهان التنمية من خلال التحكم في التكنولوجيا وتطبيقاتها الذكية والطاقات المتجددة. ولكن في نفس الوقت لم يُلغ هذا التطور التكنولوجي الهائل هوية هذه الشعوب التي حافظت على حضارتها التي تعكسها التقاليد الآسيوية المتميزة.

 



[1] المادة 10 من القانون رقم 08-07 المتضمن القانون التوجيهي للتكوين والتعليم المهنيين .

[2] المادة 2 من القانون 81-07 المؤرخ في 27 يونيو 1981 المتعلق بالتمهين المعدل والمتمم .

[3] الموقع الإلكتروني لوزارة التكوين والتعليم المهنيين، تاريخ الاطلاع 28 /02/2015.

[4] يرى أنشتاين بأن الخيال أهم من المعرفة، وهو ما عبر عنه أيضا مؤسس الشركة العملاقة مايكروسوفت بيل غايت بقولــه:

" إن لدى شركتنا أصلا واحدا...[هو] الخيال البشري".

[5] يعتبر قطاع التكوين والتعليم المهنيين في الجزائر من أكثر القطاعات التي تمتلك سياسة منفتحة مع مختلف الفاعلين الاقتصاديين على غرار المؤسسات والشركات الخاصة أوالعمومية، بالإضافة إلى سياسة الانفتاح التي ينتهجها القطاع مع شركائه الاجتماعيين على غرار الجمعيات .

 

تم تصفح هذه الصفحة 5834 مرة.
آخر مقالات صوت القارئ / مقالات و مساهمات القراء
فيديو
صورة و تعليق
هدرة الناس
سطيف ، تقرير أسود على مكتب الأمين العام الجديد حول وضعية الحزب بالولاية . إقرأ المقالة
قناتنا على اليوتيوب
تحميل ...