حالة الطقس
يوم الخميس
22 أوت 2019
الساعة: 13:02:53
"هنري دونان" صاحب فكرة الصليب الأحمر الدولي أنطلق من سطيف و غير وجه العالم.حادث مرور ببني عزيز لعائلة من بريكة ولاية باتنة يودي بحياة طفل 11 سنة.ايداع المعتدي على طبيب الاستعجالات الطبية بعين الكبيرة الحبس الاحتياطيتواصل الصراع بين مير سطيف و29من معارضيهدائرة ماوكلان / مواطنون يستقبلون الأمين العام للولاية باحتجاجات
العدالة الإلهية تنتقم للمرحوم " لخضر بلعز" المدير العام السابق لديوان الخدمات الجامعية.
الحدث

قبل 7 سنوات ، قدم الدكتور " أحمد عظيمي" شهادته للتاريخ بعد وفاة أعز أصدقائه الدكتور " لخضر بلعز" رحمه الله ، الذي انتقل للرفيق الأعلى يوم الثلاثاء 9 أكتوبر 2012 و وري الثرى بمقبرة الشيخ مسعود بعين الكبيرة - مسقط رأسه- في اليوم الموالي .

تذكرت شهادة الدكتور عظيمي اليوم  بعد أن رأينا كيف انتقمت العدالة الإلهية للمرحوم "بلعز لخضر" أحد رجال الجزائر النزهاء و إطاراتها المخلصين الذي توفي متأثرا بما حصل له من ظلم عندما كان على رأس المديرية العامة للديوان الوطني للخدمات الجامعية ، هناك أراد حماية  المال العام من المفسدين فلفقوا له تهم باطلة برأته منها العدالة بعد أن تمكن المرض من جسده.

و من غرائب الصدف أن الإعلان عن انتقام العدالة الإلهية لهذا الرجل الكفء النزيه " لخضر بلعز" المنحدر من عين الكبيرة ولاية سطيف كانت من طرف رجل كفء أخر ينحدر من نفس المدينة ( عين الكبيرة) هو وكيل الجمهورية لدى محكمة سيدي امحمد  الذي أصدر البارحة بيانا هاما أعلن فيه نتائج التحقيق مع عصابة طحكوت  و كذا إيداع بعض من كانوا سببا في تلفيق التهم لـــ " لخضر بلعز " السجن و هم  ناهبي أموال الخدمات الجامعية منهم المدير العام للديوان و بعض الإطارات الفاسدين .

و لمن لا يعرف" لخضر بلعز " أعيد نشر هذه الشهادة التي كتبها الدكتور" أحمد عظيمي" و نشرت في جريدة الشروق العربي بتاريخ 04 - 11 -  2012 بعد أيام فقط من وفاة المرحوم " لخضر بلعز"

كتب الدكتور أحمد عظيمي .

أكتب اليوم عن المرحوم لسببين، أولهما إن لخضر بلعز هو واحد من الإطارات الجزائرية الأكثر كفاءة والأكثر نظافة يد والأكثر إخلاصا للوطن؛ وثانيهما، أن هذا الرجل كان ضحية لأخطبوط الفساد المستشري في دواليب الدولة وأن هذا الأخطبوط هو الذي اغتاله.

تقاطعت حياتي مع حياة المرحوم ثلاث مرات، كانت الأولى خلال مرحلة الدراسة بثانوية محمد قيرواني بسطيف، حيث كان ذلك التلميذ المجتهد والمؤدب؛ ثم التقينا ثانية، بعد ثلاثين سنة من مغادرة الثانوية، بجامعة غرونوبل حيث كان كلانا يحضر شهادة الدكتوراه؛ وكان التقاطع الأخير بعد مغادرتي للمؤسسة العسكرية الذي تزامن تقريبا مع تعيينه مديرا عاما لديوان الخدمات الجامعية وإلحاحه عليّ كي أكون معه في هذا الديوان "لنخدم الطلبة الجزائريين"، كما كان يقول لي.


بجامعة غرونوبل، كنا نلتقي يوميا بالمكتبة، وهناك عرفت القيمة العلمية لسي لخضر وأدركت كفاءته في الاقتصاد الذي هو مجال اختصاصه.
في تلك الأيام (1993 1994) كانت الجزائر تعيش أسوأ مراحل تاريخها، وكنا نحن مجموعة من طلبة الدكتوراه نلتقي يوميا لتبادل المعلومات والتعليق على الأحداث بالجزائر وكان من بين أعضاء مجموعتنا الأستاذ المرحوم محمد يحياتن الذي يعتبر من أقطاب اللغويات في الجزائر.

خلال النقاشات العلمية التي كانت تدور بيننا أو بيننا وبين طلبة آخرين، وكذلك خلال الملتقيات والمحاضرات العلمية التي كنا نحضرها، كان الجميع يستمع، بكثير من الاحترام والتقدير، لتدخلات سي لخضر الذي كان يحلل القضايا -خاصة الاقتصادية- بمنطق وهدوء وبمنهجية مدعمة بالمعلومات الغزيرة.
انتهت فترة الدراسة، وعاد لخضر بلعز إلى طلبته بجامعة قسنطينة، غير أن الاتصال بقي قائما بيننا وكنت باستمرار ألح عليه كي ينتقل إلى العاصمة، لأن أي تغيير يبدأ منها - كما كنت أقول له-

المدير العام لديوان الخدمات الجامعية.

في 2003، يفاجئني سي لخضر بزيارة في بيتي ليخبرني بأنه أخيرا سيستقر بالعاصمة، فقد عين مديرا عاما لديوان الخدمات الجامعية.
لم أكن أعرف أي شيء عن هذا الديوان، فقد غادرت الجامعة سنة 1978 ولم أعد إليها أبدا، لذلك سعدت لتعيين صديقي في هذا المنصب وقدرت بأنه سيكون فاتحة خير عليه باعتبار أن كفاءة سي لخضر ستمكنه من تسيير القطاع على أكمل وجه وأن هذا الموقع سيكون قاعدة انطلاق نحو مواقع أخرى أكثر أهمية.
فكرت هكذا لأني لم أكن أعرف كيف تسير مؤسسات الدولة الجزائرية ولا كنت أقدر حجم الفساد الذي استشرى في هيكل هذه الدولة. لقد خدمت لثلاثة عقود في مؤسسة تعلمنا فيها، نحن المتخرجون من الجامعة، الانضباط وأداء المهام على أكمل وجه والمحافظة على الملك العام، لذلك لما أصر سي لخضر، بعد تنصيبه، على أن أكون معه في ديوان الخدمات الجامعية لم أعارض كثيرا. كانت فكرتي هي أننا سنعمل معا، ضمن فريق، لتحسين ظروف معيشة الطلبة فنساهم بذلك ولو بقسط صغير في بناء الدولة الجزائرية العصرية التي كثيرا ما حلمنا بها.
منذ الأسابيع الأولى، بدأنا نكتشف بأن الأمر ليس أبدا كما تصورناه وأن المقاومة للتغير ليست فقط كبيرة بل حتى خطيرة. رغم أن ميزانية الديوان كانت في حدود الأربعة آلاف مليار سنتيم إلا أن وضعية الطلبة كانت شبه كارثية حيث يصل عددهم حتى ستة طلبة في الغرفة الواحدة والوجبات المقدمة لهم أسوأ من رديئة وبعض الإقامات الجامعية تحولت إلى أوكار للفساد يقيم بها العشرات ممن لا علاقة لهم بالتعليم العالي، كما أن بعض الغرف تم الاستيلاء عليها من طرف عمال جاؤوا بعائلاتهم لإسكانها وسط الطلبة.


وضعية صعبة للغاية لكن إرادة سي لخضر كانت أكبر فالرجل له قدرة عجيبة على العمل لساعات النهار وجزء من الليل دون توقف كما أن إرادته لا تزعزعها كثرة المشاكل ولا المقاومة الشديدة التي كان يتلقاها من المستفيدين من الفوضى والتسيب.
بدأ سي لخضر عمله بزيارات مفاجئة إلى الإقامات الجامعية، معظمها كان أثناء وجبتي الغداء والعشاء، كما راح يحاول التحكم في مراقبة كيفية صرف الميزانيات المخصصة للإقامات وترشيد المصاريف والحد من التبذير ومتابعة إجراءات منح الصفقات. تحول هذا الرجل بمفرده إلى جهاز كامل يحاول أن يصلح أمر هيأة عدد الذين يستنزفون خيرات الدولة فيها أضعاف مضاعفة عن عدد الذين يريدون لها الصلاح.
نشاط المدير العام الجديد "اليابس"، أي الجاف، كما كانوا يقولون عنه، أثار عليه كل أصحاب المصالح من ظهر منهم ومن خفي..

الصراع ضد الفساد

بداية الصراع كانت بينه وبين بعض التنظيمات الطلابية، حيث اكتشف لخضر بلعز بأن بعض المنتسبين إليها يبتزون مديري بعض الإقامات الجامعية وأنها أصبحت لوبيات تستنزف الملايير من أموال الدولة وكان لابد أن يضع حدا لذلك مما جعلها تهيج غضبا عليه.

تحول مقر الديوان الوطني للخدمات الجامعية إلى حائط غضب يأتيه بعض الطلبة ليحطموا الأبواب ويهشموا الزجاج، كما بدأت الإقامات الجامعية تعرف إضرابات متتالية.
بعد الطلبة، بدأ بعض العمال المنتسبين لبعض النقابات يهددون بالإضراب ويضغطون عليه من أجل المحافظة على مصالح معينة منها التدخل حتى في تعيين بعض عناصرهم على رأس بعض الإقامات الجامعية أو في هياكل الديوان...
ضغوطات بعض الطلبة والعمال لم تكن لتجعل الرجل "اليابس" يلين من مواقفه، بل واصل عمله ونشاطه دون أي سند أو دعم من أية جهة؛ لكن الخطر الكبير كان يتربص به من التجار والموردين الذين تعودوا على عقد صفقات بالملايير مع هياكل الديوان حيث بدأ يخطط لإزاحة الكثيرين منهم ممن لا يحترمون العقود المبرمة بينهم وبين الإقامات الجامعية .

بعد خمسة أشهر قضيتها معه، في جو فيه كل شيء إلا جو العمل، قررت أن أنسحب من "سلة العقارب" كما كان يسميها أحد الأصدقاء فاغتنمت فرصة وجودنا بمفردنا ذات ليلة لأقول له بأني أريد المغادرة. كانت صدمة بالنسبة إليه لكني أفهمته بأن وضعنا نحن الاثنان يشبه وضع مجنونين يحملان الماء بالدلو من بئر عميق إلى بحر ملوث في محاولة لتنظيفه.

اغتيال الرجل النظيف

التهمة بالسرقة هي وحدها الكفيلة بتدمير الرجل صاحب المبادئ، فقد كانت الإغراءات كثيرة لكن سي لخضر كان يرد عليهم بمقولته التي أصبحت شهيرة: "لو تضعون كل أموال الخدمات الجامعية في يد وسمعتي في اليد الأخرى لاخترت سمعتي". سمعته هي أغلى ما كان لديه، فلم يكن يملك إلا راتبه ومسكنه الذي تحصل عليه من الجامعة، وكان لما يشعر بالجوع يناديني لنخرج معا إلى أقرب مطعم شعبي فنتناول وجبة بسيطة متواضعة يطلب مني أحيانا أن أدفع ثمنها قائلا: "أنت وحدك من أسمح له بأن يدفع ثمن وجبتي". .

ولأن سمعته كانت هي كل ثروته فقد ضربوه ودمروه عن طريق هذه السمعة. زوروا وثائق واتهموه بعدم احترام قانون الصفقات وحركوا بعض الصحف لتكتب بالأحمر وبالبنط العريض وعلى صفحاتها الأولى عناوين تقول كلها بأن لخضر بلعز "بدد" كذا مليار من أموال الخدمات الجامعية.

أنهيت مهام الرجل ووضع تحت الرقابة القضائية وكاد يسجن لولا وجود رجل مجاهد من الرعيل الأول بقي وفيا لمبادئ الثورة التحريرية. هذا الرجل، الذي لا أذكر اسمه حتى لا أحرجه، عرف بلعز مثلما عرفته وتعامل معه في المجالات الفكرية وربطته به علاقات حب مشترك لجزائر يريدانها قوية ونظيفة من الفساد. هذا الرجل الكبير تمكن، بحكم علاقاته ومنصبه، من إقناع من كان بيدهم أمر إظهار الحقيقة، بضرورة إعادة التحقيق في القضية.

دامت القضية سنة كاملة بين التحقيق وأروقة القضاء. سنة قضاها لخضر بلعز في عزلة خانقة، فكل الذين كانوا يهرعون إلى مكتبه ويزعجونه باتصالاتهم الهاتفية المتكررة ومنهم وزراء ومديرون عامون وبرلمانيون وغيرهم ابتعدوا عنه ولم يعد يتصل أحد أو يسأل عنه أحد.

سنة كاملة قضاها هذا الإطار النظيف الكفء والصادق، والله شاهد على ما أقول، وتهم الفساد وتبديد المال العام وعدم احترام قانون الصفقات مسلطة عليه. سعوا بكل جد لسجنه. كانوا يريدون تدميره حتى لا يتجرأ غيره ليمس مصالحهم.
خلال هذه السنة، كنا نلتقي باستمرار، وكنت أراه يموت ببطء فلم يعد ينام أو يأكل إلا نادرا والسيجارة لم تعد تفارق شفتيه مع حزن رهيب سكن نفسه ولم يعد أي شيء يثيره. من جهتي، بدأت أشعر منذ تلك الفترة بأن صديقي لم يعد ذلك الرجل القوي الإرادة الذي عرفته. لقد اغتيل يوم اتهم بتبديد ملايير من المال العام الذي سعى بكل ما ملك من قوة وجهد لحمايتها من المفسدين.
بعد سنة إذن برأته المحكمة لكن الجرح كان أعمق من كل قرار تبرئة. المعاناة من الإهانة والظلم جعلت جسمه النحيف أصلا يزداد نحافة ليصاب بأمراض تطلبت نقله، بعد تدخل نفس الرجل الطيب، إلى فرنسا للعلاج، وبعد مدة وقبل أن ينتهي العلاج أوقفوا، من الجزائر، التكفل بعلاجه وهنا لن أتعرض للمتاعب الكثيرة التي تحملها فقد زرته بباريس وقرأت معاناته الكبيرة ومعاناة زوجته من أجل مواصلة علاجه.
رحمك الله أيها الأستاذ المخلص حقا لوطنه فبفضل أمثالك بقيت الجزائر واقفة رغم كل معاول الهدم انتهت شهادة الدكتور " أحمد عظيمي "

رحم الله الفقيد " لخضر بلعز"  و رحم الله كل إطارات الجزائر النزهاء و ما أكثرهم الذين اغتيلوا ظلما وماتوا  قهرا  لأنهم فقط رفضوا أن يكونوا حلقة في سلسلة الفساد الذي تفشى لسنوات خلال حكم العصابة.

 

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عاشور جلابي / صوت سطيف .


تم تصفح هذه الصفحة 4817 مرة.
فيديو
صورة و تعليق
هدرة الناس
حمار يغلق هاتفه ،يختفي عن الأنظار و يرفض الإشراف على أول مقابلة بين فريق بلير السطايفي و فريق الحراش العاصمي .إقرأ المقالة
قناتنا على اليوتيوب
تطوير Djidel Solutions