حالة الطقس
يوم الأحد
20 أكتوبر 2019
الساعة: 2:15:07
حظيرة بلدية أيث نوال مزادة تتحول إلى مقبرة للمركباتالتصريح الشرفي يهزم عقد الملكية في سطيف وتدخل وزير العدل ضروريمولودية العلمة ، الديجياس تقبل بقرار سحب الثقة من الرئيس الهاوي ، وبوترعة رئيسا جديدا.بعدما كانت مقررة خلال بداية الشهر الداخل ،تأجيل توزيع 400 سكن اجتماعي بالعلمة لإشعار آخر .سطيف تحتضن الطبعة الأولى للصالون الوطني للصورة الفنية.
صحفي يتقمص دور بائع العقاقير في السوق وينقل حقائق صادمة
روبرتاج


كانت عقارب الساعة تشير إلى السادسة صباحا، وهو موعد انطلاق عملية عرض مختلف المنتجات، التي باتت تضاهي المركبات، بالسوق الأسبوعية للسيارات بسطيف، الأسبوع الماضي، حيث قضينا أكثر من ساعة ونحن نتجول في السوق علّنا نجد مكانا لطاولتنا المتواضعة، والمخصصة لبيع العقاقير والأعشاب، فاكتشفنا في ساعات قليلة كيف تحوّلنا إلى عباقرة، حيث لكل داء دواء على طاولتنا.

ولعل الأمر الذي اصطدمنا به في فعلتنا هذه التي تحوّلت إلى مغامرة حقيقية، ظاهرة الاحتكار التي فرضها باعة العقاقير، حيث تم طردنا من مكان لآخر بحجة أن المكان الذي ننصب فيه طاولتنا "محجوز" حتى ولو كان ذلك وسط الزبالة، ليلطف بنا أحدهم الذي يبيع الأكل الخفيف، ويخصص لنا مكانا قرب طاولته بشرط أن لا نعود إلى السوق مرة ثانية، كون أن هذه التجارة مقتصرة على بعض "العباقرة" فقط، والذين يحملون مكبّرات الصوت ويبيعون بجرأة عقاقير، هم أنفسهم لا يعلمون مكوناتها، ويزعمون بأنها تشفي المرض، ويراهنون بجرأة بل وبوقاحة بأنها تشفي بنسبة 100 بالمئة، حيث يبيع هؤلاء سلعهم بفخر، والتي تداوي حتى بعض الأمراض المستعصية كالسكري والعجز الجنسي وتسوّس الأسنان والسرطان والكآبة، ولا يجدون أي منتقد، ما عدا المبهورين بعبقريتهم أو ربما الذين قنطوا من رحمة الله ورحمة الأطباء، فطلبوها من هؤلاء المحتالين عفوا "الأطباء" الذين لم يدرسوا الطب في حياتهم، لكن مارسوه ودخلوا إلى عالمه التطبيقي من بابه الواسع، فحطموا كل النظريات والحقائق العلمية ببعض الأشعار والأمثال والعبارات التي يرددونها، والتي تشرئب لها آذان المستمعين وهم في وقار وكأن على رؤوسهم الطير، وهناك من لا يتوانى في تحويل نفسه إلى فأر تجربة، من خلال تناول الجرعات التي يقدمها باعة هذه العقاقير كأدلة وحجج عن مفعولها، وشفائها لمختلف الأسقام في ثوان !

المريض أكثر كفاءة من الطبيب !

حاولنا أن نتقمص نفس الدور وجلب الزبائن إلى طاولتنا، وسط نظرات باعة العقاقير، الذين يرون بأنهم الأجدر لوحدهم لممارسة هذه المهنة، وبعد دقائق معدودات تحوّلت طاولتنا إلى شبه خلية نحل، طالما أن هذه التجارة لا تحتاج لكثير من الجهد قصد جلب الزبائن، الذين يعرفون تفاصيل هذا العالم الخارج عن المعرفة، وتحوّلت مختلف العقاقير وخاصة الغريبة والمختلطة ببعض المواد المضرة بالصحة إلى صنارة تجلب الضحايا الذين يتوافدون عليها بأعين مغمضة، وأول الضحايا شاب في العشرينات حيث كشف بأنه جامعي، وقال لنا من دون أن نسأله، بأن الأطباء يتفلسفون كثيرا، وكلما تناول دواء إلا وزاد ألمه مع البواسير- حسب قوله – لأجل ذلك يبحث عن الأعشاب والعقاقير من أجل العلاج، وأخذ يقلب العلب المتراصة على الطاولة، والتي تحمل أسماء غريبة لم نفهم من أي لغة مشتقة، فأكد لنا الشاب بأنه لم يجد مبتغاه ضمن تلك العقاقير، فأخذ علبة أخرى مكتوب عليها اسم "المنومة" قال بأنه سيأخذها لأخته التي قال بأنها تعاني من الأرق في الفترات الليلية، وغادر المكان، بينما كانت طاولتنا تشد فضول الكثيرين، وما حيّرنا هو أن غالبيتهم يعرفون كل كبيرة وصغيرة عما يباع، أي أن المريض أكثر كفاءة من الطبيب، حتى أن زبونا روى لنا ما تعاطاه خلال سنوات ليقضي على مشكلة التبول في الفراش ليلا، وما زال يصر على العقاقير رغم فشلها في مداواة مرضهن وقصا لنا محاسن وسلبيات كل خلطة متواجدة على طاولتنا.

 موسوعات لكن ليست علمية

وما شدّ انتباهنا ونحن نحاول تقليد بعض الأصوات، التي نسمعها عن طريق مكبرات الصوت لباعة العقاقير، هو أن هؤلاء يظهرون للناس بأنهم على اطلاع بجديد عالم العقاقير والأعشاب وكل الخلطات في العالم، وأنهم صالوا وجالوا وأتوا بأنواع نادرة من بقاع كثيرة من المعمورة، مثل الهند والبرازيل والمغرب والمكسيك، وهي المواد التي تداوي بحسبهم أمراض لم يجد لها العلم إلى اليوم داواء شافيا على غرار الروماتيزيم، السكري، والمصران، وإذا كان طبيب أمراض العيون المختص يتأسف لمرضى السكري أو طبيب العظام يتأسف لمرضى ارتفاع ضغط الدم، فإن باعة العقاقير في الأسواق الشعبية على هذه الطاولات، لا يردّون أي مريض، وبالنسبة إليهم أي علبة أو مرهم من سلعهم العجيبة  صالحة لأي مرض، مراهنين على الأسماء البراقة، منها مسك الحجرة والحبة السوداء، والحنظل الإسباني القادم من البرازيل بحسب أحد الباعة، رغم أنه مكتوب على ظهر العلبة أنه صنع في الصين ! لتختلط حتى الأسماء بالنسبة لهذه الخلطة التي جمعت بين اسبانيا بحسب الاسم والبرازيل بحسب تأكيدات البائع والصين بحسب ما كتب على ظهر ! ورغم ذلك انبهر الوافدون بالكلام "المعسل" كعسل "الملوك" الذي يباع أكثر من الشواء الذي يعرض بالقناطير في هذه السوق، وغيرها من الحقائق التي تجود بها قريحة الباعة عبر مكبراتهم وكأنهم موسوعات لكن ليست علمية، يسافرون بالمريض إلى جنة أوهام، لا مرض فيها ولا ألم.

وصفة للاخفاق المدرسي

اكتشفنا في هذه المغامرة، أن طب الأسواق لا يعالج فقط الأسقام الفيزيولوجية، بل وحتى الأمراض النفسية والإخفاق والكآبة، حيث اقترب منا كاهل وهمس في أذننا، أنه يبحث عن خلطة لابنه المقبل على شهادة التعليم المتوسط، حيث أوضح أنه نسي اسمها، لكنه يتذكر فقط بأنه اقتناها من طاولتنا قبل حوالي 5 سنوات لابنه، وكان مفعولها جد قوي وكانت السبب بحسبه في حصول ابن أخيه على شهادة التعليم المتوسط بمعدل جيد، وأصرّ على ذلك رغم محاولتنا إقناعه بأننا المرة الأولى التي نعرض فيها طاولتنا في هذه السوق، بل وأقسم أنها الحقيقة، وسرعان ما سمع عبر مكبرات الصوت التي كانت تصعق الآذان، اسم خلطة من أحد الباعة الذي قال بأنها تمنح للمتمدرسين ذكاء خارق، وتمكنهم من اجتياز الامتحانات بنجاحات خرافية، من دون اللجوء إلى الغش، حيث هرول هذا الزابون إلى الطاولة التي كانت تجاورنا لاقتناء هذه الخلطة، التي تدعى "الدلفين" والتي تجعل الذي يتناولها عبقريا رغم أنها ترمز إلى الحيوان في اسمها .. وهكذا يوفر طب الأسواق العلاج لمشكلة تدني المستوى الدراسي، الذي حيّر وزارة التربية الوطنيةن، التي خصصت له جلسات ومشاورات ماراطونية دون الوصول إلى العلاج.

جرعة تحوّلك إلى ثور

ومن بين الأمور، التي نالت القسط الأوفر من اهتمامات الوافدون على هذه العقاقير، الضعف الجنسي، الذي يبدو أنه تحوّل من مرض إلى هوس وعقدة نفسية، جعلت حتى الأناس العاديين يحسون بأنهم مرضى وما هم بمرضى، لكن كثرة السؤال والقيل والقال، جعلتهم يعتبرون أن الشخص العادي هو الذي يعيش ليله إلى الفجر، حيث ترددت على "أبواق" الباعة عبارات كثيرة منها "جرعة واحدة تحوّلك من إنسان إلى ثور"، وما شدّ انتباهنا أن أكثر العقاقير التي عرضناها مبيعا خاصة بالقوة الجنسية، على غرار "الجنسيغ" و"العسل الملكي"، رغم أن ثمن الحبة الواحدة 300 دينارا، وبالعلبة 3000 دينارا، إلا أن الإقبال عليها كان كبيرا، حيث يقتنيها معظم الزبائن بدون مناقشة أو جدال، أو حتى الدخول في سجال تخفيض السعر كما هو معمولا مع العقاقير الأخرى، وما شد انتباهنا أن أحد الزبائن تحدث معنا على انفراد، واستفسر عن وجود جديد في عالم العقاقير الخاصة بالقوة الجنسية أم لا، كونه جرّب جل العقاقير التي بحوزتنا دون جدوى، حيث نصحناه باللجوء إلى الطبيب، فأجابنا بأنه كافر بالطب مهما كان مصدره، دون أن يذكر الأسباب، حيث غادرنا إلى وجهة أخرى علّه يجد ضالته.

هكذا قضينا حوالي 4 ساعات وسط برد قارص وضجيج السوق، وبعض الكلمات السوقية التي تعرّضنا لها من طرف المرضى، سيما الذين لم يجدوا ضالتهم.. وهكذا اختصرت حكاية طلب الأسواق، الذي لا يعترف بالكشف أو التحاليل أو الأشعة، حيث تمنح الوصفة مباشرة عبر مكبر صوت، حيث ضاع الطب والعلم تحت صيحات هؤلاء الباعة الفوضويون، وقبل أن نغادر السوق قابلنا "المكاس" بعصاه التي أرعبتنا، وطلب منا مبلغ 500 دينار حقوق العرض في السوق دون منحنا تذكرة، قبل أن يستقبلنا مجموعة من الشباب خارج السوق، الذين أجبرونا بقوة على دفع 100 دينار نظير حراسة السيارة من دون حراسة.

روبورتاج : سفيان خرفي / موقع صوت سطيف    

 

تم تصفح هذه الصفحة 3504 مرة.
فيديو
صورة و تعليق
هدرة الناس
حمار يغلق هاتفه ،يختفي عن الأنظار و يرفض الإشراف على أول مقابلة بين فريق بلير السطايفي و فريق الحراش العاصمي .إقرأ المقالة
قناتنا على اليوتيوب
تطوير Djidel Solutions