حالة الطقس
يوم الثلاثاء
12 نوفمبر 2019
الساعة: 21:30:53
الحكومة توافق على خطة تسوية وضعية حاملي الشهادات المستفيدين من قرارات عقود ما قبل التشغيلبمناسبة اليوم العالمي لداء السكري ، مخبر التحاليل الطبية د-هواري ينظم يوم مجاني للكشف عن داء السكري.والي سطيف يأمر بغلق متوسطة علام منصور احترازيا والأولياء غاضبونمتوسطة ابن سينا ببلدية بلاعة هذا اليومبالصور ، مصلحة الوقاية و الأوبئة بسطيف تحتاج لمن يداوي جراحها الخطيرة.
"صوت سطيف" تعود إلى موقع المأساة وتروي قصة "شهيد العلم" ببوعنداس
الحدث


أصعب ما في الحياة أن تعود إلى موقع المأساة، لأنك هناك ستتأكد بأن ما عشته منذ أسبوع ما كان حلما تنسفه اليقظة بل حقيقة موجعة ومفجعة..

هنا في قرية "أفتيس" ببوعنداس في سطيف، صرخ "عبد الحق بوقرشي" منذ اثنا عشرة سنة إيذانا بولادته، وهنا شقي في قرية فيها كل شيء إلا الحياة، ومن هنا ذهب ذات يوم أحد إلى المتوسطة طالبا للعلم مثل كل أطفال العالم، ولكنه لم يعود، وهنا ينام في قبره، الذي تحوّل إلى روضة حقيقية بزهور الزائرين.

"عبد الحق بوقرشي" قد توفي فعلا، ليس في حادث مرور أو بعد مرض عضال، بل تحت ركام جدار مرحاض انهار عليه داخل متوسطة علي زرماني ببوعنداس، بطريقة تختصر واقع هذا القطاع الذي بات مقبرة للبراءة، خاصة في أعماق الجزائر، حيث باتت الدراسة مغامرة حقيقية، وتحت الجدار المذكور لفظ عبد الحق أنفاسه الأخيرة، ومازال الحزن لحد كتابة هذه الأسطر مخيما على قرية أفتيس، الأب "الزوبير" مازال مذهولا حتى يخيل إليك أنه شبح وليس إنسانا أو قد لحق بابنه، ورغم تطمينات السلطات بفتح تحقيق ومعاقبة المتسببين، ورغم وفود الزائرين إلى منزل الضحية من مواطنين ومسؤولين، إلا أن عمي الزوبير مازال يتألم في صمت رهيب، فقد عاش في حياته فرحة كبرى ومأساة كبرى، فرحته اندلعت ذات يوم من عام 2008 وكان حينها يحلم بالولد الذي يساعده في حياته، حيث رزقه المولى تعالى بثلاث بنات وأخوهم الوحيد "عبد الحق".

يا فرحة ما تمت

يروي لنا أحد جيران والد الضحية، أنه لم يشاهد السيد الزوبير فرحا مثل فرحته، بمولد عبد الحق، ولأول مرة أقام وليمة للأحباب والجيران، ومن الغرائب أن عبد الحق لم يولد في العيادة أو مستشفى وإنما بطريقة تقليدية، قامت خلالها قابلة بمنطقة أفتيس بإخراجه من بطن أمه التي تعيش حاليا ما يشبه الغيبوبة، ليخرج عبد الحق من بطن الحياة بعدها بطريقة تراجدية رهيبة.. إنه المأساة اللغز الذي ولد فشغل الناس وعاش فشغل الناس ومات فشغل كل أبناء الجزائر.

عبد الحق يوميا 5 كيلومترات إلى المتوسطة

في زيارتنا لأهل الضحية وتحدثنا مع أقاربه وزرنا أيضا مقبرة القرية، واكتشفنا أن المأساة زلزلت الجميع فكانوا يخرّون أرضا أمام القبر الموحش، يحاولون الوقوف صابرين، ولكن دموعهم وتغير ألوانهم تكشفهم وتكشف ضعف الإنسان أمام مثل هذه المآسي، حزنا على شهيد العلم كما بات يلقبه الجميع، والذي عاش حياة نادرة ومات موتة نادرة، وحتى والده كان يحسب ألف حساب لمصير ولده بعد انتقاله من المرحلة الابتدائية الى المتوسط، حيث يقطع عبد الحق رفقة نظرائه من ابناء القرية مسافة تقارب 5 كيلومترات يوميا ذهابا وإيابا إلى متوسطة علي زرماني المتواجدة بمركز بلدية بوعنداس، وحتى ولو أن النقل المدرسي متوفر لكن في بعض الأحيان يضطر هؤلاء للتنقل مشيا على الأقدام وسط أحراش وجبال المنطقة الشاهقة.

عبد الحق اقتنى الأدوات المدرسية بدنانير التوت البري

كشف لنا والد عبد الحق، أن هذا الأخير لم يعتمد هذا العام على أحد في كسب مصاريف الدخول المدرسي من ملبس وأدوات وحتى تكاليف النقل اليومية، حيث كشف عمي الزوبير أن ابنه ظل طوال عطلة الصيف خاصة في الأيام الأخيرة يقطف التوت البري وسط أشواك وديان وشعاب قرية أفتيس وينتقل يوميا إلى مركز بلدية بوعنداس ليبيعه على قارعة الطريق، متكبدا معانات كبيرا في هذه المهمة، التي تعد تقريبا القاسم المشترك لأطفال القرية، إلا أن والدة عبد الحق فرحت كثيرا هذا الموسم كون أن ابنها أصبح رجلا أمام عينيها، وهو ما جعل والده يوصيه بأن يكون له خليفة في الأهل و وكيلا له في رعاية أسرته في الأوقات التي يكون فيها عمي الزوبير في الغربة، وهكذا محّصت ظروف الحياة شخصية عبد الحق الذي جعلت منه رجلا قبل الأوان.

"قدّر الله وما شاء فعل" .. هكذا قال الوالد زوبير

 انتهت مأساة الضحية، وبدأت مأساة غيره، الأم كادت تفقد أعصابها وهي في كل مساء تقف أمام شبه النافذة في شبه المنزل تنتظر عودة عبد الحق، غير مصدقة إلى حد الآن أنه لن يعود، أما الأب الزوبير فكل من يقول له عظم الله أجرك يجهش بكاء ويبدأ يهذي: يا عبد الحق ارجع إلي أراك وأرحل"، كونه لم يراه منذ عيد الأضحى الماضي حيث كان في ولاية وهران لكسب القوت، الأخوات الثلاثة دموعهن لو وزعت على الكرة الأرضية لسقت زرعها وبللت صخورها، الجيران وأبناء الجيران والأقارب جميعا مازالوا مذهولين، ساعات الليل مثل النهار ولكن لزيارة القبر بعد كل بزوغ الشمس وجع آخر، حيث يخرّ الجميع بكاء في قرية صارت تسمى قرية عبد الحق عوض أفتيس المشهورة بماضيها الكبير وبطولات أبنائها إبّان الاستعمار الفرنسي، والمشهورة كذلك بمياهها المتدفقة تدفق دموع عائلة بوقرشي ومن يقيم بجوارها، الذين سألوا ماذا فعل عبد الحق في الدقائق التي كان تحت أنقاض السور القاتل،  وماذا  قال وبماذا فكّر .. فتلك حكاية أخرى قد تتحوّل إلى عمل درامي كبير ومحزن، خاصة وأن مواقع عالمية على غرار "الجزيرة نت " نقلت خبر هلاك عبد الحق واعتبرته الأحزن على الإطلاق.

أحزن قصيدة .. "جدار لا يرحم"

لأن أروع الأعمال الفنية انطلقت من أحزن المشاهد، فإن حكاية عبد الحق مرشحة لأن تشغل الناس ليس في الجزائر فقط وإنما في بلدان كثيرة، سنفونية عذاب قد تكون ممنوعة على الكثير من الناس بل على الناس أجمعين، ولكنها مع ذلك هي صرخة مدوّية في الوجدان العام، مما جعلها تحرك النفوس والضمائر والقلوب والقرائح، وتلفت أنظار مجتمع غارق في أوحال المادة، واللهث خلف لقمة العيش، ومسؤولين منشغلين بمصالحهم الشخصية وما شابه ذلك، إذ أبدع بعض الشباب والأطفال الذين شاركوا في مسيرات بوعنداس في تلحين القصيدة الرثائية المؤثرة التي كتبها الشاعر فوزي سعيداني، من وحي الحدث المؤلم، تخليدا لذكرى شهيد العلم ، في رسالة إلى الجميع

قصيدة الشاعر سعيداني فوزي

تغتالون العمر في هذا الكهف الشمالي

 وتسمون المصائب قضاء وقدر

حينما القلب ضاق وريده ثم انكسر

فاضت صرخات الخوف قائمة

حينما الدم سال والدمع فاض وانهمر

ايها الجارون نحو الارواح انقضوها

احنوا عليها ارحموها

غابت الشمس و بعدها غاب القمر

ظلام دامس فيك يا بوعنداس

شاء الله ما فعل و شاء ما قدر

رحل الشهيد بين اختصار المختصر

و اصحاب الرسميات و الحفلات قالوا اه و أه على الجدار لو انتظر

سنشعل عنده شموع الوعود اللعينة

رحل الشهيد رحل الشهيد

 و أمه صارخة الله أكبر الله اكبر

سلطات الهاتف النقال البرنامج المسطر

خاب ظنهم عن انفسهم و سكتوا ما اشبهكم بالظلم و حن شعب مستعمر

 وصاحت الجزائر هول الصدمة و الخبر

و أبو الشهيد قطع الصباح جاريا مناديا باكيا صارخا

ينادي قلبه ابني يا دمعة الراحل لو صبر

سلام ايها الشهيد سلام أحمر

لا ذنب للجدار بما فعل

مدراء السهر رؤساء الخيبة و الضمير المحجر

 يا غدار ايها الجدار غدرت القلوب

يوم حزين و قاهر و جدار رصد و غدر غادر

 يبحث عن اطفالنا لقاها فانفجر

سلام ايها الشهيد و الله اكبر

 بوعنداس يا كهفا في الشمال يموت أطفالها من اليأس و ما مطر

 يموت الجالس لو وقف يموت الجاهل لو عرف

و تموت الكلمات و النظرات و الصرخات

و تموت فيك يا بوعنداس العبر

إعداد : سفيان خرفي / صوت سطيف

 

تم تصفح هذه الصفحة 2814 مرة.
فيديو
صورة و تعليق
هدرة الناس
حمار يغلق هاتفه ،يختفي عن الأنظار و يرفض الإشراف على أول مقابلة بين فريق بلير السطايفي و فريق الحراش العاصمي .إقرأ المقالة
قناتنا على اليوتيوب
تطوير Djidel Solutions